تحوّل الإجراء الخاص بدعم استيراد الأغنام من الخارج بمناسبة عيد الأضحى الأخير إلى سلاح للتدافع السياسي بين الأغلبية والمعارضة، خلال الأسابيع الماضية؛ في حين أن الرأي العام المغربي كان ينتظر أجوبة رسمية تبدّد اللغط وتوقف “اضطراب” الأرقام والمعطيات.
وكانت الحكومة قد قرّرت التوجه إلى هذه الخطوة من أجل تعويض متطلبات عيد الأضحى، التي تصل كل سنة إلى 6 ملايين رأس من الأغنام والماعز تقريبا؛ وهو ما جعلها تفتح باب الاستيراد أمام مستوردين مغاربة مع تمتيعهم بمنحٍ جزافية تصل إلى 500 درهم عن كل رأس من الأغنام، إلى جانب إعفائهم من أداء الرسوم الجمركية.
وبعدما تم استيراد هذه الأضاحي من دول أوروبية، بما فيها رومانيا وإسبانيا (..)، تبيّن أن الأثمنة التي بِيعت بها هذه الأخيرة كان مبالغًا فيها، حيث لم يظهر للمستهلكين المغاربة أي تأثير للإجراءات الحكومية؛ ما فتح الباب أمام اتهامات للمستوردين. وعرفت هذه الاتهامات مسارها صوب البيت الحكومي، إذ تمسّكت المعارضة بفشل هذا الإجراء، وهو ما أكّدته كذلك أطراف داخل الأغلبية؛ غير أن ذلك سيكون بداية لـ”حرب المعطيات”.
تضارب الأرقام
كان نزار بركة، الأمين العام لحزب الاستقلال وزير التجهيز والماء، أوّل مقتحمي هذا الموضوع الشائك، إذ اعترف بشكل ضمني بفشل هذا الإجراء، موضحا أن “الحكومة منحت المستوردين 500 درهم عن كل رأس؛ غير أنهم قاموا ببيع كل رأس غنم يساوي 2000 درهم بواقع 4000 درهم”.
وقال الوزير ذاته، في لقاء تلفزيوني قبل أزيد من أسبوعين، إن “هؤلاء فضّلوا أن يرفعوا من أرباحهم بواقع 100 في المائة”، مؤكدا في السياق نفسه على أن “الدعم الذي تعطيه الدولة يجب أن يكون مشروطا، ويجب أن نمر إلى النزاهة الاقتصادية والاجتماعية”.
لم يكن هذا التصريح، ونظيره الذي كان في تجمّع حزبي سابق، ليمرّا مرور الكرام، إذ ساهما في خلق رأي عام مدعوم بمعطيات متضاربةٍ؛ أبرزها أن “إجمالي أرباح المستوردين خلال آخر عيد أضحى تقدر بحوالي 13 مليار درهم”.
وسرعان ما دخل راشيد الطالبي العلمي، رئيس مجلس النواب عن حزب التجمع الوطني للأحرار، على الخط، إذ وجّه ملاحظة إلى نزار بركة بالقول: “عدد المستوردين همّ 100 وليس 18 مستورد، ومبلغ مليار و300 مليون درهم غير موجود، وذلك فقط لتصحيح الأرقام”.
كما قال الطالبي العلمي أيضا، لدى حلوله ضيفا على مؤسسة الفقيه التطواني، إن “العدد الحقيقي للمستوردين الذين حصلوا على دعم الاستيراد هو 100 مستورد، والمبلغ الذي صُرف لهم من الميزانية العامة كما هو موثق بالوثائق هو 300 مليون درهم فقط”.
أرقام المعارضة
أنتج التسويق لمضامين هذه التصريحات تضاربا في الأرقام، سواء تلك التي تعلّقت بعدد مستوردي الأغنام ومستوردي الأبقار، أو الكلفة التي تحملتها ميزانية المملكة في هذا الجانب، باستحضار التدابير التي همّت تقديم الدعم عن كل رأس وكذا وقف استيفاء رسوم الاستيراد.
وإذا كانت الأغلبية غير متفقة فيما بينها حول هذه الأرقام فإن أطرافا بالمعارضة تمسّكت بـ”يقينية 13 مليار درهم”؛ على رأسها حزب التقدم والاشتراكية الذي خرج أمينه العام، مؤخرا، محمد نبيل بنعبد الله، ليؤكد أن الرقم الصحيح لحجم الإعفاءات الضريبية (بخصوص استيراد الأغنام والأبقار) ناهز 13.3 مليارات درهم، وأن العدد الاجمالي للمستوردين هو 277 مستوردا.
وتحدث كذلك بنعبد الله عن أن خسارة الميزانية العامة للدولة برسم الدعم الجزافي عن استيراد الأغنام بمناسبة عيد الأضحى لسنة 2024 تصل إلى 237 مليون درهم؛ وهو الرقم الذي قال إنه مستنبط من قانون المالية.
وظهر أن الأمين العام لحزب “الكتاب”، عندما استحضر مبلغ 13,3 مليارات درهم، فإنه لم يقف عند حدود استيراد الأغنام في عيد الأضحى الأخير فقط؛ بل أضاف إليها كذلك كلفة دعم استيراد الأبقار الحية من الخارج، والتي تبقى إجراء حكوميا آخر؛ الأمر الذي رفع هذا النقاش إلى قضية “رأي عام”.
توضيح الوزارة
بعد سلسلة من الأخذ والردّ بين بعض الأطراف داخل الأغلبية والمعارضة، وجدت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات نفسها مضطرة إلى توضيح المسألة لعموم المغاربة، حيث أشارت إلى أن الحكومة خصّصت دعما ماليا بقيمة 437 مليون درهم لاستيراد الأغنام الموجهة لعيد الأضحى في سنتي 2023 و2024، في إطار إجراءات استثنائية تهدف إلى تحقيق وفرة في العرض واستقرار الأسعار.
ووفق معطيات الوزارة، فإن تكلفة استيراد الأغنام في عيد الأضحى لسنة 2023 بلغت 193 مليون درهم، و244 مليون درهم في سنة 2024؛ في حين أسفرت هذه العمليات عن استيراد ما يقارب 875 ألف رأس من الأغنام، موزعة على 386 ألف رأس في 2023 و489 ألف رأس خلال 2024.
كما أضاءت هذه المعطيات “الجانب المظلم” في أعداد مستوردي الأغنام خلال المناسبتين المذكورتين، حيث أشارت إلى أن عدد هؤلاء وصل إلى 61 مستوردا في 2023 و95 مستوردا في سنة 2024، بإجمالي 156 مستوردا خلال سنتين.
كما شددت كذلك على أن تعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة لم يكن له أي أثر مالي على ميزانية الدولة؛ لأن هذه الرسوم، التي بلغت نسبتها 200 في المائة في السنوات الماضية، كانت تهدف إلى حماية القطيع الوطني ولم تكن تحقق إيرادات لخزينة الدولة.