تحسن نسبة ملء السدود يبشر بموسم فلاحي جيد في المغرب

شهد ملء السدود بالمغرب تحسنًا ملحوظًا، إذ بلغت النسبة الإجمالية 38.31%، وهو ما يعادل 6,421.03 ملايين متر مكعب من المياه المخزنة، مع تسجيل ارتفاع مقارنة بالفترة السابقة. ويأتي هذا التحسن في سياق التساقطات المطرية التي عرفتها المملكة مؤخرًا، وساهمت في إنعاش المخزون المائي بعد سنوات من التراجع بسبب الجفاف والتغيرات المناخية.

وتعكس الأرقام تفاوتًا في نسب ملء السدود بين الأحواض المائية، إذ سجل حوض اللوكوس أعلى نسبة ملء بـ 61.65%، يليه حوض أبي رقراق بـ 59.32%، ثم حوض تانسيفت بـ 54.44%، فحوض سبو بـ 51.67%. كما سجل حوض ملوية نسبة 43.50%، في حين بلغ معدل الملء في حوض درعة واد نون 30.86%، وعرف حوض سوس ماسة نسبة 22.12%، بينما مازال حوض أم الربيع يعاني من نسبة ملء ضعيفة لم تتجاوز 10.67%.

في هذا الإطار قال المصطفى العيسات، خبير في المجال البيئي والتنمية المستدامة والمناخ: “شهد المغرب خلال الفترة الأخيرة كميات أمطار لم يسبق لها مثيل خلال السنوات الخمس الماضية، ما يبشر بانتعاش المخزون المائي. ووفقًا للتوقعات يمكن أن نصل إلى مستوى ملء يتراوح بين 50 و65 بالمائة، وهو مؤشر إيجابي على تحسن الوضع المائي”.

وتابع العيسات ضمن تصريح لجريدة النهار: “اليوم تعتمد المملكة على إستراتيجية متكاملة لضمان التزويد بالماء الصالح للشرب ومياه السقي، تشمل مشاريع الطرق السيارة المائية، إضافةً إلى جهود كبرى لسد الفجوات في توزيع الموارد المائية، إذ مازال هناك غياب للعدالة المجالية بشأن المياه”.

وذكر الخبير ذاته كمثال تفاوت نسب الملء في مناطق مختلفة، موردا: “مثلا سد الوحدة يسجل نسبة ملء تتجاوز 51 بالمائة، بينما يصل حوض اللوكوس إلى 61 بالمائة، علمًا أن 80 بالمائة من الموارد المائية تتمركز في مناطق الشمال. وفي المقابل يعاني سد المسيرة من نسبة ملء لا تتجاوز 5 بالمائة، فيما يتجاوز حوض سوس نسبة 50 بالمائة”.

وذكر المتحدث أنه “لمواجهة هذا التفاوت يتم العمل على مشاريع كبرى، أبرزها ربط حوض سبو بحوض أبي رقراق، الذي يُرتقب أن يعزز الأمن المائي في المناطق المتضررة”، وزاد: “كذلك تم تحقيق تقدم ملحوظ في مشروع ربط سد وادي المخازن بسد وادي خروفة، الذي وصل إلى 80 بالمائة من الإنجاز”.

وأضاف العيسات: “كما أن الخطاب الملكي الأخير شدد على ضرورة تطوير محطات تحلية مياه البحر لسد العجز المائي، إذ يتم حاليًا إنشاء محطة الدار البيضاء الكبرى ضمن مشروع وطني يشمل أكثر من 12 محطة جديدة على طول الساحل المغربي، بهدف خلق توازن بين العرض والطلب”.

وفي سياق ترشيد الموارد المائية قال الخبير نفسه إنه “سيتم تعزيز محطات معالجة المياه العادمة، مثل محطات الرباط، الصخيرات، ومراكش، التي من المتوقع أن توفر ما بين 900 مليون متر مكعب ومليار متر مكعب من المياه، ستُخصص للاستعمالات خارج قطاعي الشرب والسقي”.

وتابع المتحدث: “إن تدبير الموارد المائية اليوم يتطلب حكامة رشيدة وقرارات مسؤولة لمواجهة تحديات المناخ، إذ مازال المغرب معنيًا بمخاطر الجفاف والتغيرات المناخية، إلى جانب ظواهر طبيعية أخرى قد تؤثر على موارده المائية. لذا فإن المشاريع المستقبلية تظل الحل الأمثل لضمان الأمن المائي للمملكة، ويجب تنفيذها في الوقت المناسب وبمسؤولية كاملة لإنقاذ المغرب من تداعيات الجفاف على المدى الطويل”.

من جانبه أوضح علي شرود، الخبير المناخي، أن “الظروف الجوية التي شهدها المغرب مؤخرًا تدخل ضمن إطار الاضطرابات المناخية”، مشيرًا إلى أن “المغرب خلال السنوات العشر الأخيرة واجه ارتفاعًا في درجات الحرارة، وموجات جفاف متكررة، وتراجعًا ملحوظًا في مخزون المياه؛ إلا أن ما حدث هذه السنة، وخاصة في الأسابيع الأخيرة، يؤكد أنه يمر بمرحلة من الاضطراب المناخي الحاد”.

وأضاف شرود، ضمن تصريح لجريدة النهار، أن “من أبرز مظاهر هذه التقلبات العاصفة ‘جانا’، التي اجتاحت المغرب قادمة من الشمال والشمال الغربي، إذ أثرت بشكل كبير على المناطق الشمالية، وخاصة المنخفضة منها، متسببةً في سيول وأمطار غزيرة”، وزاد أن “هذه العاصفة رافقتها كتل هوائية باردة حملتها تيارات هوائية قوية، ما أدى إلى زيادة كثافة التساقطات المطرية في مدة زمنية قصيرة”.

وأكد الخبير المناخي أن “هذه السنة كانت استثنائية من حيث نقص الموارد المائية الحاد في الفرشة المائية والسدود، ورغم ذلك سجل المغرب انتعاشًا ملحوظًا شبيهًا بما حدث سنة 2021″، مردفا: “نتيجة لهذا التحسن شهدت المناطق الشمالية والجنوبية ارتفاعًا في مخزون المياه السطحية والجوفية، خاصة بعد تعاقب فترات من التساقطات المطرية، تلتها موجات من تساقط الثلوج ثم ارتفاع درجات الحرارة”.

واختتم شرود تصريحه بالإشارة إلى أن التساقطات المطرية الأخيرة التي شهدها المغرب “تبشر بموسم فلاحي جيد، ما قد يساهم في التخفيف من حدة أزمة الجفاف”، لكنه شدد على “ضرورة اتخاذ تدابير مستدامة للتكيف مع التغيرات المناخية المتسارعة”.

Exit mobile version