من محضر بدني للفريق الوطني لعسكر الجزائر إلى طريد لمخابرات الجارة الشرقية، تحفل قصة اللاجئ السياسي الجزائري في ماليزيا “م.ي “بدلائل كثيرة على استمراء النظام الجزائري ألاعيب الفساد الرياضي وإخراس المعارضين له “ولهذه الممارسات”، بشتى الوسائل غير القانونية؛ بما فيها تزوير ملف الرجل لدى الأمم المتحدة، “لتعريته من أي حماية أممية”، بما يضمن “تنفيذ ما وُعد به من انتقام، بلا خوف من رادع”.
“م.ي”، الذي ظل لإحدى عشرة سنة من “الاحتماء داخل الأراضي الماليزية”، ساكتا عن ما قاساه من تعسف وترهيب من مخابرات بلاده، جراء رفضه الفساد الرياضي داخل الجيش الوطني الشعبي الجزائري، قرر بتواصله مع جريدة النهار، أن يكسر صمته بعدما نجحت هذه المخابرات، “بتعاون مع موظفة أممية”، في طمس ما يثبت “جرائم الجزائر في حقه”، من ملفه الخاص باللجوء لدى الأمم المتحدة؛ “ما يجعل حياته في دائرة خطر قصوى”.
ضريبة “لا”
تعود قصة مطاردة المخابرات الجزائرية “م.ي” إلى سنة 2011، حين كان يجري التحضير للألعاب العالمية العسكرية، التي أقيمت بريو ديجانيرو في البرازيل؛ حيث اصطدمت رغبة العقيد بالجيش الجزائري، “الساعي إلى رتبة عميد”، في “إحراز نتائج متقدمة للفريق الوطني العسكري، بأي ثمن”، بتمسك المحضر البدني (م.ي) باحترام الأخير لشروط ومعايير النزاهة والمنافسة الشريفة.
وفصل م.ي بأن “المدرب المدني للفريق حينها، ويدعى مهداوي، اقترح تفاعلا مع رغبة العقيد، خلط مدنيين بالفريق الوطني العسكري، وذلك ما كان، خصوصا بعد موافقة القيادة العليا في شخص الفريق أحمد قايد صالح على الأمر”، مفيدا بأنه رغم ذلك ظل متشبثا برفض هذه الممارسة المنافية للأخلاقيات الرياضية.
عند ذلك سيبدأ توتر علاقة م.ي بقيادة الجيش الجزائري في التوتر؛ فقد جرى تدفعيه “ثمن اعتراضه”، وهو ابن 25 سنة حينها، بتحويله “من محضر بدني إلى مدرب مساعد فريق ألعاب القوى”، لافتا إلى أن نضاله “للحفاظ على نظافة الفريق الوطني العسكري الجزائري، لم يتوقف عند هذا الحد؛ حيث قمت بتسريب كافة المعلومات المذكورة إلى الصحافة الجزائرية”.
غير أن كافة هذه المعلومات، وعوض أن تجد طريقها العادي نحو الرأي العام الجزائري والمهتم عموما، “عادت إلى دواليب المخابرات الجزائرية”، كما سرد لجريدة النهار، مضيفا: “لذلك، قامت الأخيرة باستدعائي للتحقيق؛ فوجهت لي تهمة محاولة زرع الفتنة في صفوف الجيش الوطني الشعبي؛ ليتم بعد ذلك تنحيتي بشكل نهائي من الفريق وتحويلي إلى قيادة القوات البرية”.
بداية “الترهيب”
بمقر القيادة العامة للقوات البرية بالجزائر، كان محدثنا ممنوعا من الخروج إلا بعد الحصول على رخصة”، كما أفاد كاشفا أنه لدى خروجه في أحد الأيام مساء من المقر بعد استيفائه الشرط المذكور، “تم اعتراضي من قبل ثلاثة أشخاص، قاموا بتقييده وتقطيع شرايين يدي اليسرى؛ رغم أن المكان من أكثر الأماكن بالجزائر حراسة”، غير أن “الأنكى أنه جرى تكييف الحادثة على أنها محاولة سرقة”.
هناك سيتمكن المحضر البدني السابق من الحصول على رخصة بفترة نقاهة ممتدة لثلاثة أشهر بمنزله الأصلي، ليبدأ التفكير جديا في مغادرة التراب الجزائري.
وأضاف: “سأحاول مجددا تمرير قصتي، بما استجد فيها من فصول، إلى وسائل الإعلام؛ غير أنه مرت أخرى جاءت المبادرة بنتائج معاكسة للمراد”.
في هذا الصدد، جرى توقيف المعني من قبل الدرك الجزائري، ليتم بعدها تقديمه للمحاكمة على أساس أنه مدني ينتحل بصفة عسكري. وأورد: “حكم علي بثلاث سنوات سجنا، ثم لما ذهبت القضية للمجلس القضائي نلت البراءة. هناك حيث نصحني ضابط شريف: “لو تقعهد هنا ياقتلوك يا يسجنوك””.
هكذا سيغادر الرجل الجزائر صوب تونس في مارس 2013، ومنها إلى ماليزيا؛ حيث قدم طلب اللجوء لدى مصالح الأمم المتحدة، التي وجهته بعدم الحديث عن ملفه لمدة 11 سنة حتى يحصل على الحماية. وكذلك كان إلى أواخر سنة 2023، تاريخ حصول م.ي على اللجوء بالدولة الآسيوية.
وتابع المحضر البدني السابق في الفريق الوطني العسكري الجزائري: “شرعت في الخروج في “لايفات” معارض جزائري ففرنسا، فبدأت تتناسل التهديدات الموجهة من النظام الجزائري على حسابي في واتساب”، مؤكدا: “كان طبيعيا، أن أعمل على إبلاغ الأمم المتحدة بالأمر؛ غير أنها أجابتني بأنه ليس بإمكانها فعل شيء، فلم توفر لي أدنى حماية”.
حياة طريدة
تقدم م.ي بشكوى في هذا الجانب للشرطة الماليزية، “التي حققت في التهديدات، فخلصت إلى أن رسائل التهديدات بالفعل مصدرها من خارج التراب الماليزي، أي من الجزائر”، قال الرجل، مفيدا بأنها وفرت له “آنذاك حماية في أحد بيوت عمارة خاصة بها؛ غير أنها شددت على أن هذه حماية مؤقتة فقط”.
واكتشف المتحدث، في الآونة الأخيرة، بعد تنبيه من صديق إليه مقيمة بالجزائر العاصمة، أن ضابط برتبة عقيد في المخابرات الجزائرية، “على تواصل مع موظفة في الأمم المتحدة (ذات جنسية أجنبية)، أوعز لها بحذف كافة الوثائق المدينة للنظام الجزائري من الملف، ففعلت”، ولذلك، أضاف: “تخلت الأمم المتحدة عني”.
“أرسلت بريدا إلكترونيا للمفتش العام للأمم المتحدة في سويسرا للاستفسار بهذا الخصوص، فجابني بكشف التحقيقات عن كون قضيتي عادية والملف يسير بشكل عادي”، أكمل ي.م، مشددا على أن “التهديدات ما زالت متواصلة؛ ما يعني أن خطر شر المطاردين لا يزال قائما”.
تكشف محادثات واتساب بين المحضر البدني السابق، وعقيد جزائري، اطلعت عليها جريدة النهار، عن معطيات مؤكدة لما سلف؛ حيث يقول في إحداها “كنا منتظرين الإيمغرايشين في ماليزيا تسفرك، ونوصل هنا لحل يرضي الأطراف كلها”، ويشير في ثانية إلى أنهم “مش عارفين أنك قدمت على لجوء، يا حمار الأمم المتحدة ما تقبل الجزائريين بطلب منا”.
ويقول العقيد، في رسالة ثانية، “ما نطولوا الكلام، ترجع وتغلق فمك وما تكشف ولا شيء وكمل حياتك عادية ما في حدا يزعجك أو نجيبك بريقتنا”.
مناشدات مرفوعة
زاد م.ي في حديثه لجريدة النهار: “الشرطة الماليزية أكدت أنه يتعين علي الخروج من ماليزيا؛ لأن هذه الدولة الآسيوية، بحسبهم سوف يلحقها ضرر كبير إن توفي (اغتيل) مواطن أجنبي على ترابها”.
وأفاد بأنه قام بمراسلة “كل سفارات الدول الأوروبية بماليزيا، بما فيها الخاصة بفرنسا وإيطاليا وإسبانيا إلى جانب كندا”، مفيدا بأن جميعها أكدت أن سلطات بلادها بإمكانها أن تقدم الحماية له، فقط، إذا كان موجودا على ترابها.
وشدد المتحدث، الذي ظل يرفع مناشدات بحماية “حياته من الخطر الذي يتهددها من الجانب الجزائري”، على أن وضعيته “جد معقدة”، خصوصا في ظل منع النظام الجزائري جواز السفر عنه منذ سنة 2011، حيث إنه حتى بطاقة الإقامة بماليزيا لا يمكنه الحصول عليها، بسبب هذا الأمر.