“تشدد اللائكية” يرفع حدة التوترات مع المسلمات المحجبات في فرنسا

ساند باحثان مغاربيّان في الفكر الإسلامي مضامين بلاغ المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، الذي أدان “المضايقات الإعلامية والسياسية التي تستهدف النساء المسلمات اللاتي يرتدين الحجاب عن اختيار وحرية”، وأبرزا أن “ما أثارته الهيئة يزيدُ وضوحًا آخر إلى معالم الوضع العضال الذي تعيشه اللائكية الفرنسية التي انسلخت عن أصولها وتحولت إلى عملية اقتناص للمسلمين والمسلمات”.

وحذر المجلس، في بلاغ على صفحته بموقع “إكس” (تويتر سابقًا)، من أن “الحملة المتواصلة تضر بالنساء المحجبات؛ كما تؤجّج بالضرورة نزعة التوتر وتقوض التماسك الوطني في الجمهورية”، موردا أن “الوضع يرفع منسوب انعدام الشعور بالأمن لدى النساء المعنيات”، وزاد: “أضحينَ يواجهنَ حقيقة يوميّة عبارة عن اعتداءات لفظية وجسدية في وقت يتعين على الدولة الفرنسية حمايتهنّ”.

إعلان "تشدد اللائكية" يرفع حدة التوترات مع المسلمات المحجبات في فرنسا

أزمة لائكية

إدريس الكنبوري، الباحث في الفكر الديني، قال إن هذا الموضوع يكرّس الافتراض المثبت بأن “اللائكية الفرنسية تعيش أزمة لا غبار عليها حين يتعلق الأمر بالدين الإسلامي تحديداً”، مشدداً على “وجود انقلاب واضح على قيم قانون 1905 الذي أقرّ فصل الدّين عن الدّولة”، وأردف: “هذا الأمر لم يعد مطروحا عندما باتت الجمهورية تقرر التدخل في كل ما هو مرتبط بالإسلام”.

وأضاف الكنبوري، ضمن توضيحات قدمها لجريدة جريدة النهار: “لم يكن الإسلام موجودًا في فرنسا حين بدأ العمل بنص 1905، لكن بعد الهجرة، ومع تزايد أعداد المسلمين، أصبحنا أمام الجيل الثالث من الفرنسيين المسلمين”، مورداً: “هنا لم نعد نتحدث عن مهاجرين مسلمين، بل عن مواطنين أوروبيين اعتنقوا الإسلام، وهذا ما يتجاهله المتطرفون في الجمهورية الفرنسية”.

وتابع المتحدث ذاته شارحا: “فرنسا تتحدث اليوم عن تنظيم الإسلام الفرنسي، أي إسلام خاص بها، وهذا يطرح إشكالًا أمام قيم اللائكية”، موضحًا أن “السياسة ترغب في تدبير الشأن الديني بشكل محدد، وهذا يعد خروجًا عن مبادئ العلمانية، التي تقضي بأن الدولة لا تتدخل في دعم أو إنشاء مؤسسة دينية، ولا تنخرط تمويلها أو تكوين أطرها”.

لكن، يفيد الباحث، “ثمّة تحولًا بدأ منذ نهاية الثمانينيات مع الحجاب والنقاب”، مشيراً إلى أن “فرنسا ستدخل في مواجهة صريحة مع المسلمين، خاصة أن أفراد الجيلين الثالث والرابع لديهم مواقف تتجاوز كونهم فرنسيين، إذ صاروا يتحدّثون عن الأمّة ويتقاسَمون جملةً من العوامل المشتركة التي تتجاوزُ الشأن الفرنسي لتصل إلى فضاءات أرحب مرتبطة أساسًا بالأمة الإسلاميّة، وعلى رأسها قضيّة فلسطين”.

“شيطنة” متبادلة

أحمد صابر، باحث في الشأن الديني والدراسات القرآنية، أشار ابتداءً إلى كون “العلمانية في السياق الأوروبي ليست واحدة”، مبيناً أن “اللائكية الفرنسية تبتغي من حيث المبدأ تحييد الدين عن المجال العام والسياسة”، وأورد: “لكن الملاحظ أن النموذج الفرنسي يتسم بنوع من الحدة والشدة الأحادية، وهو متطرف تجاه الدين في علاقته بالإنسان وفي علاقته بالوجود الإنساني ككل”.

وقال صابر ضمن تصريحه لجريدة جريدة النهار الإلكترونية: “ثبت علميًا وأنثروبولوجيًا أن الإنسان كائن متدين بطبعه. موضوع الدين يشتبك مع الثقافة وفعل الإنسان ووجوده في الحياة”، مسجلاً أن “حضور بعض الرموز، مثل الزي الشّعري أو الحجاب، هذا الغطاء الذي تضعهُ النساء على رؤوسهن، هو جزء من الثقافة”، وواصل: “التّشدد الفرنسي جعل من الدولة الفرنسية صارمة تجاه الجاليات المسلمة، خاصة النساء، إذ ظنت أن غطاء الرأس يعبر عن انتماء ديني معين يجب أن يغادر الفضاء العام”.

كما أفاد المتحدث عينه بأن “هذه مشكلة ظهرت في الثمانينيات واستمرت في بداية هذا القرن، وبُنيت عليها إشكالات كثيرة”، منبهًا إلى “اختفاء هذه الإشكالات في سياق دول أوروبية أخرى، شهدت اندماجًا سلسًا ومرنًا بالنسبة للجاليات المسلمة دون إثارة إشكالية الرموز الدينية في الفضاء العام، خصوصا في ألمانيا”، معتبراً أن “التشدد الفرنسي ولد مشاكل كثيرة وساهم في شيطنة العلمانية نفسها وتصويرها بأنها عناد للدين وضد التعددية الهوياتية”.

زر الذهاب إلى الأعلى